في لحظة إقليمية شديدة التعقيد وبالغة الخطورة وغامضة المشهد، تتصاعد الاعتداءات والتهديدات التي تطال أمن الخليج واستقراره، في مشهد يعكس استخفافا خطيرًا باستقرار منطقة تعتبر شريانا حيويا للاقتصاد العالمي. ما يحدث اليوم ليس مجرد توتر عابر ولكنه اختبار حقيقي لمدى احترام قواعد السيادة والقانون الدولي.
إن أي استهداف مباشر أو غير مباشر لدول الخليج، سواء عبر عمليات عسكرية وهجمات صاروخية وطائرات مسيرة أو عبر أدوات ضغط غير تقليدية يمثل تجاوزا لا يمكن تبريره. فالدول الخليجية لم تكن يوما ما طرفا في إشعال الصراعات بل لعبت ادوارا دبلوماسية متوازنة وسعت إلى بناء جسور الحوار بدل إشعال الحرائق والحروب.
السياسات الإيرانية الأخيرة، بما تحمله من رسائل حادة وتحركات مقلقة، تضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة. إن منطق «الضغط مقابل الضغط» لا ينتج استقرارا، بل يدفع الجميع نحو حافة مواجهة أوسع. أمن الخليج ليس ورقة تفاوض، ولا مجالا لتسجيل النقاط السياسية.
الرهان على إرباك المنطقة أو استخدام أوراق ضغط جغرافية أو عسكرية أثبت محدوديته. الخليج اليوم أكثر تماسكا وتنسيقا، وأي محاولة لزعزعة أمنه لن تعود بمكاسب استراتيجية طويلة الأمد، بل ستدمر العلاقات بين دولنا الخليجية وايران.. وستعيد التحسن في العلاقات إلى الوراء لسنوات طويلة.
في المقابل، فإن العمليات العسكرية الحالية في الإقليم تسهم في رفع منسوب التوتر، وتخلق بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة. سياسة القوة المفرطة لا تصنع أمنا دائمًا، بل تعيد إنتاج دوائر الرد والرد المضاد.
من حق أي دولة أن تدافع عن أمنها، لكن تحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح يضع الجميع أمام مخاطر غير محسوبة. فالاستقرار لا يتحقق بتوسيع رقعة المواجهة، بل بتضييقها عبر قنوات سياسية واضحة.
قطر ودول الخليج تبنت نهجا قائما على التوازن، والانفتاح، والوساطة، وتغليب لغة العقل. هذا الخيار الاستراتيجي لم يكن ضعفًا ولكنه إدراك عميق بأن المنطقة لا تحتمل صدامات كبرى، والحمدلله أن دولنا الخليجية ذات عقيدة دفاعية ولم تكن يوما ذات عقيدة هجومية على أي دولة، ولكن ان تطلب الأمر فهي قادرة على حماية أمنها وسيادتها.
اليوم، المطلوب من جميع الأطراف المتنازعة مراجعة الحسابات فأمن الخليج خط أحمر، واستهدافه بأي ذريعة سيقود إلى تداعيات تتجاوز حدود المنطقة، وهذا ما يجب الحيلولة دون حدوثه عبر الحوار والحلول الدبلوماسية.
الخليج ليس ساحة رسائل نارية، ولا ميدان تصفية حسابات بين قوى متصارعة. إنه ركيزة استقرار إقليمي ودولي، وأي عبث بأمنه سيكلف الجميع ثمنًا باهظًا.
الحكمة ضرورة وجودية. والتاريخ لا يرحم من يستهين بلحظات التحول الكبرى.
