لا يمكن أن نعتبر التطوير عبارة عن قرار يُكتب فقط، ولا شعار يُرفع، ولا تغيير شكلي أو روتيني لمجرد التغيير فقط في مسميات أو مناهج، بل هو في جوهره قدرة المؤسسة على أن تستمع، وأن تقرأ الواقع، وأن تدرك أن احتياجات المجتمع اليوم ليست بالضرورة هي ذاتها احتياجاته بالأمس وان الاجيال تتغير والمفاهيم كذلك.

وما نشهده في الفترة الأخيرة من خطوات تقوم بها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي يعكس حراكا يستحق التوقف عنده، خصوصا عندما نقرأ عن تطوير خمس مواد دراسية، وتدريب 612 معلما ومعلمة على المناهج، وإعداد 18 مادة دراسية إلزامية واختيارية، إلى جانب التركيز على التفكير النقدي والإبداعي وبناء شخصية الطالب وهويته حتى لا يكون مجرد طالب يحمل كتبه للذهاب فقط إلى المدرسة لأداء واجب الحضور فقط.

الأرقام مهمة، ولكن الأهم بالنسبة لي هو الفكر الذي يقف خلفها، فنجاح أي مسؤول لا يقاس فقط بقدرته على إدارة المؤسسة، وإنما بمدى قربه من المجتمع الذي تخدمه هذه المؤسسة. فالمجتمع هو النبض الحقيقي، ومنه تأتي الملاحظات، وفيه تظهر الاحتياجات، ومن خلاله نستطيع معرفة ما إذا كانت القرارات والسياسات تحقق أهدافها أم تحتاج إلى مراجعة وتطوير.

وعندما يكون المسؤول قريبا من الناس، يسمع آراءهم، ويتفاعل مع ملاحظاتهم، ويفتح أبواب مؤسسته للأفكار والنقد البناء، فإنه لا يقدم خدمة أفضل فحسب، بل يبني جسورا من الثقة بين المؤسسة والمجتمع، وهذا تحديدا ما يحتاج إليه قطاع بحجم وأهمية التعليم.

التعليم لا يحتمل الجمود، لأن العالم من حولنا يتغير بسرعة هائلة. وما كان مناسبا للطالب قبل عشرين عاما قد لا يكون كافيا لطالب يعيش اليوم وسط الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والانفتاح المعرفي الهائل.

لذلك فإن الخروج من فكر الماضي لا يعني التخلي عن ثوابتنا أو هويتنا، بل على العكس، يعني أن نحافظ عليها ونحن نمتلك أدوات المستقبل.

نريد طالبا معتزا بدينه وهويته ووطنه، وفي الوقت ذاته قادراعلى التفكير والتحليل والنقد والإبداع، لا طالبًا يختزن المعلومات من أجل الاختبار ثم ينساها بعد ذلك.

وهنا تكمن أهمية ما أعلنته الوزارة عن جعل قدرات الطلبة ركنا أساسيا في عملية التعلم، وتنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي، وبناء متعلم متوازن ومتمكن يمتلك المعرفة. وهي الاتجاه الذي يفترض أن تسير نحوه المدرسة الحديثة.

وفي المقابل، فإن التطوير الحقيقي لا يتوقف عند إعلان الخطط. فالتحدي الأكبر دائمًا هو ما يحدث داخل الفصل الدراسي، وكيف يلمس الطالب وولي الأمر والمعلم أثر هذه التغييرات على أرض الواقع. وهنا ستكون المتابعة والتقييم والاستماع المستمر للميدان هي المعيار الحقيقي للنجاح.

إن المسؤول الذي يستمع لا تقل هيبته، والمسؤول الذي يراجع قراره لا يعني أنه أخطأ، والمسؤول الذي يغير أسلوبا اعتدنا عليه منذ سنوات لا يهدم الماضي، بل قد يكون بذلك يبني المستقبل.

وعندما نجد مسؤولًا قريبا من المجتمع، يستمع إلى نبضه، ويتفاعل مع متطلباته، وفي الوقت نفسه يقرأ تحولات العصر ويملك شجاعة التطوير، فمن الإنصاف أن نقول له: شكرًا.. فهذا هو المسؤول الذي نريد.