لاشك أن القرارات الصادرة من وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي تصب دائما في مصلحة الطالب والعملية التعليمية، ومنذ تولي سعادة السيدة لولوة الخاطر وهناك تطور واضح في المنظومة وهناك ملامسة واضحة لنبض المجتمع، وأصبحت بيئة التعليم أكثر قبولا، وفي الوقت نفسه لا يمكن لأي إنسان أن يقبل أن يتعرض طالب للضرب أو الإهانة أو الإساءة النفسية داخل المدرسة، فالمدرسة يفترض أن تكون قبل كل شيء مكاناً آمناً، يحفظ للطالب كرامته ويصون سلامته النفسية والجسدية.

ومن هذه الزاوية، فإن تأكيد وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر العقاب البدني واللفظي والنفسي مع الطلبة هو أمر مفهوم، وله مبرراته وأسبابه بل وضروري، خصوصاً إذا كان المقصود منع التجاوز والإهانة والممارسات التي لا تمت إلى التربية إطلاقا.

لكن هناك جانباً آخر لا ينبغي أن نغفل عنه وهو من يحمي هيبة المدرسة والمعلم؟

فالعملية التعليمية لا تقوم على الحقوق وحدها، وإنما على حقوق تقابلها واجبات، وعلى احترام متبادل بين الطالب والمعلم والأسرة والمدرسة، فالجميع تحت مظلة واحدة وتعثر طرف يعني وجود خلل في باقي الأطراف الأخرى.

ونحن نتحدث اليوم عن أجيال أكثر وعياً بحقوقها، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة، وهذا أمر إيجابي، لكن المشكلة تبدأ عندما يفهم بعض الطلبة أن منع العقاب يعني عدم قدرة المعلم أو الإدارة على اتخاذ موقف حازم تجاه التجاوزات.

وهنا يجب أن نكون واضحين: حماية الطالب لا تعني تحصينه من المحاسبة، ومنع العقاب المسيء لا يعني إلغاء العقوبة التربوية عند الضرورة حتى تستقيم العملية التعليمية.

في السابق كان للمدرسة هيبتها، وللمعلم مكانته، وكان مجرد استدعاء ولي الأمر أو تحويل الطالب إلى الإدارة يحمل معنى كبيراً لدى الطالب وأسرته، وكنا نرتجف خوفا حتى من صوت المعلم وليس من صراخه فقط، كما أخرج الماضي أجيالا ناجحة للغاية وواعية تتولى اليوم مناصب مهمة، ولا نقول إن كل ما كان يحدث في الماضي صحيح أو يجب أن يعود، فهناك ممارسات تجاوزها الزمن ولا مكان لها اليوم، لكن في المقابل يجب ألا نخسر قيمة مهمة كانت موجودة، وهي احترام المدرسة وسلطتها التربوية.

المعلم اليوم مطالب بأن يشرح ويحتوي ويحفز ويراعي الفروق الفردية، وأن يتعامل مع عشرات الشخصيات المختلفة داخل الفصل، وفي الوقت نفسه عليه أن يضبط الصف ويحافظ على سير الحصة. فإذا سحبنا منه أدوات الضبط والمحاسبة، أو جعلناه يخشى من اتخاذ أي موقف تجاه الطالب، فإننا نحمّله مسؤولية الانضباط من دون أن نعطيه الوسائل اللازمة لتحقيقه.

لذلك، فإن التعميم الأخير يجب أن يصاحبه تأكيد واضح وموازٍ على حقوق المعلم وهيبة الإدارة المدرسية، مع وجود إجراءات تربوية متدرجة وحازمة تجاه الطالب المخالف، يعرفها الطالب وولي أمره منذ اليوم الأول.

فالطالب الذي يسيء إلى معلمه، أو يتعمد تعطيل الحصة، أو يكرر المخالفات، أو يتجاوز على زملائه، يجب أن يعرف أن لسلوكه نتيجة، وأن المدرسة ليست عاجزة عن اتخاذ إجراء بحقه لمجرد أن العقاب البدني أو اللفظي محظور.

وفي المقابل، فإن المعلم الذي يتجاوز حدود دوره أو يهين طالباً أو يعتدي عليه يجب أن يحاسب أيضاً. فالعدالة لا تكون بحماية طرف وإضعاف الطرف الآخر، وإنما بحفظ حقوق الجميع.

كما أن للأسرة دوراً أساسياً في هذه المعادلة. فلا يصح أن يتحول كل إجراء تأديبي تتخذه المدرسة إلى مواجهة بين ولي الأمر والمعلم، أو أن يكون موقف الأسرة دائماً الدفاع عن الابن قبل معرفة حقيقة ما حدث. عندما يشعر الطالب أن أسرته ستبرر له كل تصرف، تفقد المدرسة جزءاً كبيراً من قدرتها على التربية.

نريد مدارس آمنة لأبنائنا، نعم، ونريد معلماً يحترم الطالب ولا يهينه، نعم، لكننا في الوقت نفسه نريد طالباً يحترم معلمه ومدرسته وأنظمتها ولا يأخذ القرار كشماعة أو مبرر لخروجه عن النص والأدب..!

فالمدرسة التي بلا انضباط لا تستطيع أن تعلّم، والمعلم الذي بلا هيبة يصعب عليه أن يربي، والطالب الذي لا يتعلم أن لكل تصرف مسؤولية وعاقبة لن نخدمه عندما يخرج إلى المجتمع.

فالمعادلة ليست صعبة.. لا للضرب.. لا للإهانة.. لا للعقاب النفسي.. ولكن أيضاً لا للفوضى، ولا للتطاول على المعلم، ولا لإفراغ المدرسة من سلطتها التربوية !