لم تعد الرياضة اليوم مجرد منافسة بدنية أو استعراض مهارات فنية، أو جري وتمارين وفوز وخسارة بل أصبحت فكرا ووعيا وثقافة تصنع من الموهبة مشروعا من النجاح ويشار إليه بالبنان، فالعقل هو من يقود الجسد، والثقافة هي التي تصنع التوازن، والاحتراف الحقيقي يبدأ من احترام الرياضي لمهنته وتعاطيه معها بعقلية المفكر لا المندفع والمتهور وصاحب الطموح المؤقت..
حين نتأمل في مسيرة بعض نجوم الرياضة القطرية نجد أن معتز برشم وأكرم عفيف يمثلان الصورة المشرقة لهذا النموذج المتكامل الذي يجمع بين الموهبة والاحتراف وبين الذكاء والثقافة. فكلاهما لا ينظر إلى الرياضة كوسيلة للشهرة أو الأضواء بل كـ«مهنة» تتطلب الالتزام والانضباط، والسعي الدائم لتطوير الذات والقدرات بكل تفاصيلها وبحب وشغف.
فالعالمي معتز برشم بطل العالم والأولمبي في الوثب العالي لم يصنع مجده من فراغ بل من فهم عميق للعبة ومن ثقافة رياضية متجذرة جعلته يعرف كيف يتعامل مع كل لحظة انتصار أو إخفاق بتوازن ووعي. شخصيته المتزنة وتواضعه رغم المجد وما وصل إليه من إنجازات يشار لها بالبنان جعلت منه قدوة تتجاوز حدود اللعبة وإنه نموذج الرياضي الذي يدرك أن البطولة لا تختصر في الميدالية بل في رسالة البطل التي تبعث الإلهام في نفوس الآخرين وتحفزهم وتشجعهم حتى وإن سقطوا فالنهوض والوقوف وعدم اليأس هو الأهم..
أما أكرم عفيف النجم الذهبي للكرة القطرية فيعيش لعبته بشغف المحب واحترافية لا حدود لها فهو لاعب لا يكتفي بالموهبة بل يقرأ ويتأمل، ويدرس تفاصيل خصومه ويعامل كل مباراة وكأنها اختبار جديد لعقله قبل قدميه لذلك يتفوق لأنه يعرف ما يريد ولأنه يتعامل مع كرة القدم كمشروع حياة لا كمهنة مؤقتة لذلك نجد ان اكرم هو الأفضل في تاريخ الكرة القطرية..
فالرياضي المثقف هو من يحترم لعبته كما يحترم نفسه يدرك أن الاحتراف ليس في توقيع العقود ولا في السفر للمباريات بل في الالتزام والانضباط وحب التفاصيل. مثل هذا اللاعب لا يحتاج من يوجهه لأنه يعرف أن الرياضة الحقيقية تقوم على الفكر والنية والإخلاص والجد والاجتهاد.
نجاح برشم وأكرم لم يأتِ مصادفة، بل نتيجة عقلية ناضجة وثقافة متزنة وحب صادق للرياضة، وهما وجهان لمدرسة قطرية جديدة في التفكير الرياضي، مدرسة تؤمن أن صناعة الأبطال لا تبدأ من الملاعب بل من العقول.
وحين تتلاقى الموهبة مع الفكر، يولد المجد. لذلك سيبقى معتز برشم وأكرم عفيف مثالين خالدين للرياضي المثقف الذي جعل من الرياضة أسلوب حياة، ومن الاحتراف سلوكا يوميا، ومن حب اللعبة طريقا للمجد وصعود المنصات والتتويج.
