بعد عامين من القصف الإسرائيلي والقتل والتجويع والتشريد والهدم والمعاناة التي عاشها أبناء قطاع غزة جاء الاتفاق الأخير ليضع حدا لمرحلة طويلة من الألم وليفتح نافذة أمل جديدة أمام الفلسطينيين بفضل وساطة شاقة جدا، لعبت فيها قطر ومصر دورا محوريا وأساسيا ودخول تركيا على الخط في تقريب وجهات النظر.

ومنذ بداية الأزمة كانت قطر حاضرة في قلب المشهد بكل بسالة ورجاحة عقل لا مثيل لها تمارس مساعيها ودبلوماسيتها المتوازنة والحكيمة بواقعية وصبر، دون ضجيج أو استعراض أو كلل أو ملل رغم عقبات كثيرة ورغم القيل والقال وتدليس بعض وسائل الإعلام الكاذبة ومحاولة شيطنتها إلا أن الدوحة اعتمدت على الحوار المستمر والتواصل المباشر مع مختلف الأطراف لتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني عبر دعم إنساني متواصل ومواقف دبلوماسية ثابتة ورصينة.

ومع مرور السنوات، أثبتت الأزمة أن رؤية قيادتنا الحكيمة بقيادة حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى في هذا الملف كانت الأعمق والأكثر اتزانا، حيث جمعت بين العمل الإنساني والدور السياسي ما جعلها تحظى باحترام وثقة المجتمع الدولي والفصائل الفلسطينية على حد سواء.

أما مصر، فقد استعادت من خلال هذا الملف دورها التاريخي والإقليمي، لتعود إلى مركز الأحداث العربية، فالقاهرة كانت وما زالت الجسر الجغرافي والسياسي لغزة، واستضافت عددا من جولات المفاوضات، وتحملت مسؤولية ثقيلة في التنسيق الأمني وضمان التفاهمات، لتؤكد أن استقرار المنطقة يبدأ من دورها الفاعل في محيطها العربي وهذا التناغم القطري المصري زاد المفاوضات قوة ومتانة.

طريق الوصول إلى الاتفاق لم يكن مفروشا بالورود. فقد سبقه صبر طويل وجولات من المفاوضات المعقدة، خاضها الوسطاء في قطر ومصر وسط أجواء من الشك والتوتر ومع كل فشل مؤقت كانت الجهود تستمر بإصرار هادئ ومتزن حتى نضجت اللحظة السياسية المناسبة والحاسمة.

وفي وسط هذه التحركات جاء دور الرئيس الأميركي ترامب ليسهم في دفع الأطراف نحو التنفيذ الفعلي معلنا دعم واشنطن الكامل لمخرجات الاتفاق وضمان التزام الجميع ببنوده المتعلقة بوقف العمليات العسكرية وتبادل الأسرى..

اليوم، ومع إعلان هذا الاتفاق الذي ولد من رحم المعاناة نشعر أن الصبر والعمل المتراكمين يمكن أن يصنعا واقعا جديدا في واحدة من أكثر قضايا المنطقة تعقيدا.

لقد أثبتت التجربة أن الدبلوماسية الهادئة حين تُدار بثبات ونية صادقة قادرة على تحقيق ما عجزت عنه الضغوط والسياسة الصاخبة.

وهكذا تكتب قطر ومصر فصلا جديدا من فصول الوساطة العربية الناجحة عنوانه الإصرار على السلام والإيمان بأن العدل والإنسانية لا يسقطان بالتقادم، ولا ننسى حتما الدور التركي أيضا في الاتفاق الأخير وما قامت به من مساعٍ بذلتها لوقف هذه الحرب الهمجية التي أسقطت الآلاف من الأبرياء في غزة، ويبقى الأهم هو تنفيذ بنود الاتفاق وأن تلتزم إسرائيل بها حتى لا يذهب كل شيء بعد ذلك في مهب الريح.