يعيش منتخبنا الوطني الأول للكرة مرحلة مفصلية، إذ تتجه الأنظار إلى استحقاق التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم المقبلة 2026. ورغم أن العنابي كان قد ضمن الظهور التاريخي الأول في المونديال عبر استضافة نسخة 2022، إلا أن الهدف اليوم يتمثل في العودة مجددًا إلى أكبر محفل كروي عالمي من بوابة المنافسة والتأهل، وهو ما يمنح التجربة قيمة مضاعفة ويعزز مكانة الكرة القطرية في المشهد الدولي.
إذ شكل مونديال قطر 2022 محطة استثنائية ليس فقط من حيث التنظيم والنجاح اللوجستي، بل أيضًا من حيث التجربة الرياضية التي خاضها العنابي بالاحتكاك مع منتخبات عالمية كبرى.
لاشك أن النتائج لم تكن على مستوى الطموح، إلا أن الدروس المستخلصة من تلك المشاركة باتت تشكل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها. فاللاعبون اكتسبوا خبرة التعامل مع ضغوط البطولات الكبرى، وتعلموا أن المنافسة في كأس العالم تتطلب أعلى درجات التركيز والانضباط والجاهزية البدنية والذهنية.
وتأتي التصفيات الآسيوية الحالية لتمنح المنتخب فرصة ذهبية لإثبات قدراته بعيدًا عن عامل الاستضافة، ولإرسال رسالة واضحة بأن العنابي قادر على المنافسة والتأهل بجهوده في الملعب. هذه المرحلة ليست مجرد مباريات، بل اختبار لمدى نضج المنظومة الكروية ولإبراز حصيلة العمل الذي استثمرنا فيه طوال سنوات في مجال تطوير البنية التحتية الرياضية وبرامج إعداد اللاعبين من خلال أكاديمية أسباير والبطولات المحلية، فلا مجال للتفريط بهذه الفرصة واللحظة.
من أبرز التحديات التي تواجه المدرب لوبيتيغي والجهاز الفني هو تحقيق التوازن بين عناصر الخبرة التي عاشت تجربة المونديال، وبين المواهب الصاعدة التي تحتاج إلى الثقة والدفع إلى الواجهة. فالتجديد أمر حتمي، لكنه يجب أن يتم بعقلانية حتى لا يفقد المنتخب استقراره. وقد أثبتت المنتخبات الناجحة أن المزج بين جيلين هو الوصفة المثلى لبناء فريق قادر على الصمود في المحافل الكبرى.
كما لا يمكن إغفال دور الجمهور الذي يشكل عاملًا محفزا أساسيًا للمنتخب، فالعنابي أمام محطة حاسمة في التصفيات. والتأهل للمونديال هذه المرة لن يكون بفضل الاستضافة بل بعرق اللاعبين وجهدهم في الملعب. الطريق مليء بالتحديات، لكن الفرصة قائمة، والرهان على روح المنتخب والجماهير التي كانت دائما وأبدا على الوعد في المواجهات الحاسمة، ولنا في السابق شواهد كثيرة وآخرها كأس آسيا الأخيرة في الدوحة، ومعا نريد أن نكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الكرة القطرية.
جانب آخر لا يقل أهمية هو الجانب النفسي. فاللاعبون يدركون أن العودة إلى المونديال عبر التصفيات ستكون بمثابة إثبات للذات وللعالم بأن ما تحقق في 2022 لم يكن استثناءً مرتبطًا بالاستضافة. وعليه، فإن الحفاظ على التركيز وتجاوز الضغوط سيكون عاملاً رئيسيًا في رسم طريق النجاح.
إن التأهل إلى كأس العالم المقبلة ليس خيارًا للعنابي، بل ضرورة استراتيجية تواكب الطموح الرياضي للدولة. فالفرصة قائمة ومهيأة، والقدرات موجودة، ويبقى الرهان على استغلالها بأفضل صورة ممكنة. فإذا ما أحسن المنتخب إدارة مشواره في التصفيات، فإن التأهل لن يكون مجرد إنجاز فقط، بل سيكون امتدادا طبيعيا لمشروع رياضي متكامل جعل من قطر مركزًا عالميًا للرياضة.
